gocorporation
download
كتاب التوحيد - 22
264

في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم، قالوا: فهذا دليل على أن الشرك لا يقع.
وجوابنا عن ذلك أن نقول: بالنسبة ليئس الشيطان ماذا نقول؟
مر علينا، حديث أن الشيطان يئس أن يُعبد في جزيرة العرب ، فماذا نقول وقد وُجدت فيها القبور والأوثان والأشجار التي عُبدت من دون الله؟
طالب: نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عما وقع في نفس الشيطان، لما رأى الشيطان الفتح وقع في نفسه أنه لن يضر، ثم تحول..
الشيخ: ولا يلزم من هذا أن يكون الواقع موافقًا لظنه؛ لظن الشيطان.
نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن الشيطان يئس لما رأى الفتح ودخول الناس في دين الله أفواجًا قال: ما عاد يمكن يُعبَد الشيطان في جزيرة العرب، ولكن الواقع لا يلزم أن يكون موافقًا لما ظنه الشيطان، بل إن الأمر وقع بخلافه.
طالب: شيخ بس ما يورد على هذا (...) عليه الصلاة والسلام ما أنكر هذا.
الشيخ: إي نعم ما أنكر لأنه ما أُعلم بما سيكون
الطالب: (...) ما هو في سياق البيان (...) التحريش بينكم.
الشيخ: بلى
الطالب: في سياق البيان، ألا يتضمن إقراره.
الشيخ: ما يتضمن الإقرار، يتضمن إخباره عما وقع في نفس الشيطان، وهذا أمر واقع، الرسول أخبر عما وقع في نفسه، وأن الناس بعد أن دخلوا في الدين ما يمكن على ظن الشيطان أن يقع بينهم الشرك، ولا يلزم من هذا أن يكون الأمر كما ظن الشيطان، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ لأن النبي ما يعلم الغيب صلى الله عليه وسلم، قد يقع الأمر على خلاف ما يتوقعه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يئس الشيطان أن يعبد.
الشيخ: لا في جزيرة العرب.
الطالب: إي نعم أن يعبده الناس كلهم في جزيرة العرب.
الشيخ: لا، ما هو بلازم؛ لأن (يُعبد) هذا عام مطلق، حتى ولو واحدًا من الناس، ولكن الأمر يقع بخلاف ما ظن.
لو قال: (أن يعبده الناس) مثلًا لكان يُمكِن أن يُنزَّل على العموم، يعني نقول: إن الشيطان يعني أيس أن (...) يعبدونه جميعًا، لكن لما قال: «يُعْبَد» هذا مُطلق.
الآن عرفنا إذا قال قائل: لماذا أورد المؤلف هذه الترجمة؟
نقول: لدحض حجة من يقول: إن هذه الأمة لا تَعبد الأصنام، وأن التقرب إلى أصحاب القبور ودعاء الأولياء لا يُعتبر من عبادة الأوثان.
قال: (وقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: ٥١]). أَلَمْ تَرَالاستفهام هنا للتقرير، والرؤية هنا بصريَّة، بدليل أنها عُديت بـ(إلى)، وإذا عُديت بـ(إلى) صارت بمعنى النظر.
وقوله: أَلَمْ تَرَالخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطَب.
وقوله: إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ، أُوتُوابمعنى أعطوا، ونَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِأي: المنزَّل.
وقد ذكروا لذلك مثالًا، وهو كعب بن الأشرف حين جاء إلى مكة فاجتمع إليه المشركون، وقالوا: ما تقول في هذا الرجل -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- الذي سفه أحلامنا ورأى أنه خير منا؟ فقال لهم: أنتم خير من محمد ، ولهذا في آخر الآية: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا.
وقوله: نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِولم يقل: أوتوا الكتاب، وإنما أوتوا نصيبًا منه، فليس عندهم العلم الكامل بما في هذا الكتاب.
وقوله: مِنَ الْكِتَابِالمراد به التوراة والإنجيل.
وقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِأي: يصدقون به، ويقررونه ولا ينكرونه.
والمراد بالجبت قيل: هو السحر، وقيل: إنه الصنم، والأصح أنه عام لكل صنم أو سحر أو كهانة أو ما أشبه ذلك.
وقوله: الطَّاغُوتَتقدم لنا في أول الكتاب معناه، ما هو؟
طالب: من عُبد وهو راضٍ.
الشيخ: من عُبد وهو راض، لا هذاك واحد من الطواغيت، لا، نبغي معنًى عامًّا.
طالب: (...).
الشيخ: إي، كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
ولهذا مأخوذ من الطغيان، فكل شيء يتعدى الإنسان فيه حده، فإنه يُعتبَر طاغوتًا.
من معبود: فإذا أقر الإنسان هذه الأوثان قلنا: إنه مؤمن بالطاغوت.
أو متبوع: من العلماء أهل الضلال، فإذا أقر الإنسان هؤلاء المتبوعين أهل الضلال على ضلاهم فهو ممن آمن بالطاغوت.
أو مطاع: مثل الأمراء، فإذا أقر الإنسان الأمراء على ما يأمرون به من معصية الله عز وجل ومخالفة حكمه؛ صار مؤمنًا بالطاغوت.
إذن فالطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
والجبت هو الصنم والسحر والكهانة وما أشبه ذلك.
(وقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة: ٦٠]).
قُلْأي: يا محمد رادًّا على هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا دين الإسلام هزوًا ولعبًا.
قل لهم هَلْ أُنَبِّئُكُمْ، أُنَبِّئُكُمْبمعنى أخبركم، والاستفهام هنا للتقرير، يعني أنا سأقرر عليكم هذا الخبر.
وقوله: بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ(الشر) هنا اسم تفضيل، وأصلها (أشر)، لكنها حُذفت الهمزة منها تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ومثلها كلمة (خير)، ومثلها كلمة (الناس) مخففة من (الأُناس)، ومثلها كلمة (الله) مخففة من (الإله).
وقوله: بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَالمشار إليه أيش؟ ما سبق قبل هذه الآية مما عاب به أهلُ الكتابِ المسلمينَ.
وقوله: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِمَثُوبَةًويش إعرابها؟ تمييز لـ(شر)؛ لأن (شر) اسم تفضيل، فما بعده مما يبينه يعتبر تمييزًا.
ابن مالك يقول:

اسْمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهُ

فهنا (شر) شر في أيِّ شيء؟ فسره بقوله: مَثُوبَةً، والمثوبة: مِن ثاب يَثُوب إذا رجع، ويُطلَق على الجزاء؛ أي: بشر من ذلك جزاء عند الله.
وقوله: عِنْدَ اللَّهِأي: في عِلمه سبحانه وتعالى، وفي جزائه؛ عقوبةً أو ثوابًا في الخير.
وقوله: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُمَن: اسم موصول خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو مَن لَعَنَه الله؛ لأن الاستفهام انتهى عند قوله: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِهذا الاستفهام، الجواب: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، فعلى هذا يكون (مَن) اسمًا موصولًا خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هو من لعنه الله.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما تكون؛ لأن الجواب مستقل عن السؤال.
طالب: شيخ الإشارة (...).
الشيخ: وين الإشارة؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي هذه علامة الاستفهام.
الطالب: الاستفهام؟
الشيخ: إي إذا شوفت هكذا في الخط فهو علامة الاستفهام.
الطالب: (...)
الشيخ: لا، التعجب يحطون خطًّا وتحته نقطة، أو خطين وتحتهما نقطة.
قال: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُلعنه: طرده وأبعده عن رحمته؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
وَغَضِبَ عَلَيْهِأحل عليه غَضَبَه، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ.
والكلام على الغضب وكونه صفة من صفات الله تعالى الحقيقية وإنكار تحريفه إلى معنى الانتقام؛ قد سبق الكلام فيه مرارًا، فلا حاجة إلى تكراره.
وذكرنا القاعدة العامة عند أهل السنة والجماعة: بأن آيات الصفات وأحاديثها تُبقَى على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، ما تُجعَل من جنس صفات المخلوقين، إنما تكون على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، ولا تحرَّف فتنفَى عن الله؛ فلا نغلو في الإثبات ولا في النفي.
وقوله: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَالقردة: جمع قرد، وهو معروف، حيوان أقرب ما يكون شبهًا بالإنسان، والخنازير هي جمع خنزير، وهو ذلك الحيوان الخبيث المعروف الذي وصفه الله بأنه رجس، أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥].
من هؤلاء؟ الإشارة إلى من؟ إلى اليهود؛ فإنهم لعنوا لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ [المائدة: ٧٨]، وجُعلوا قردةً بقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥].
وخنازير؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، نريد آية تدل على هذا.
طالب: هذه الآية.
الشيخ: ما فيه غيرها؟ طيب. الآن ما أذكر، لكن ينبغي أنكم ترجعون إلى المعجم المفهرس لآيات القرآن يمكن يبين فيه آية ثانية.
وغضب الله عليه، في أي آية؟ في قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] فإنهم اليهود كما هو معروف، فإن الله غضب عليهم.
وقوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَفيها قراءتان؛ في (عبد) وفي (الطاغوت)، القراءة التي هي الآن معروفة في المصحف وَعَبَدَ الطَّاغُوتَعلى أنه فعل ماض معطوف على قوله: لَعَنَهُ اللَّهُ، أي: ومَن عبد الطاغوت، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَيعني: ومَن عبد الطاغوت، فيكون معطوفًا على صلة الموصول في مَنْ لَعَنَهُ، وإنما لم يُعِدْ (مَن) مع طول الفصل؛ لأن هذا ينطبق على موصوف واحد، فلو أعيدت (مَن) وقيل: ومن عبد الطاغوت؟ لكان يتوهم أنهم جماعة آخرون، وهم جماعة واحدة.
على هذه القراءة نقول: (عبد) فعل ماض، والفاعل مستتر جوازًا تقديره (هو)، يعود على مَن؟ على الضمير في قوله: لَعَنَهُ، وبهذا نعرف اختلاف الفاعل في صلة الموصول وما عُطف عليه؛ الفاعل في صلة الموصول وما عُطف عليه مختلف؛ لأن الفاعل في صلة الموصول من؟ الله؛ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، والفاعل في هذا المعطوف من؟ يعود على الهاء اللي هو المفعول، يعود على المفعول، لا على الفاعل.
طالب: يعود على (مَن).
الشيخ: نعم ويصح على (من)، يجوز على (من).
القراءة الثانية: وعُبُدَ، وعَبَدَتُقرَأ: وعُبُدَ الطاغوتِ، ولكنها تكون بالكسر، بالإضافة، (عُبُد) مضاف و(الطاغوت) مضاف إليه. (عُبُدَ الطاغوت) وهي قيل: إنها اسم جمع لعبد، وقيل: إنها مفرد، وعلى كل حال فالمراد بها عابِد الطاغوت.
ففيها الآن قراءتان: عُبُد الطاغوت.. أنا نسيت الضم، وأما الطاغوت فهي بالكسر في كل حال (...) الطاغوت هذا واحد، الثاني {وعَبُد الطاغوتِ} عَبُد بفتح العين وبضم الباء. إذن الفرق بين القراءتين في (عبد) فتح العين متفق، والباء مختلف، والدال متفق.
فإذن الخلاف في الباء فقط، فهي على قراءة الفعل مفتوحة، وعلى قراءة الاسم مضمومة: {عَبُدَ الطاغوت}.
الطاغوت مختلفة على القراءتين؛ على قراءة الفعل في عَبَدَتكون مفتوحة، وعلى قراءة الاسم تكون مكسورة بالإضافة.
طالب: (...) عبدت.
الشيخ: عَبَدَة؟
طالب: الطاغوتِ.
الشيخ: لا، غلط، ما فيها، يصير الخلاف في الباء فقط؛ إما بضمها أو فتحها.
طالب: (...) ضم العين.
الشيخ: بضم العين؟
طالب: (...) ضم العين والفتح.
الشيخ: لا هذه ما هي بسبعية، إي ذكروا أن فيها أربعًا وعشرين قراءة بتركيب (عَبَد) مع (الطاغوت)، بالتركيب، لكن أكثرها شاذ، السبعيات منها هي هذه: عَبَدَ الطَّاغُوتَأو {عَبُدَ الطاغوتِ} هاتان سبعيتان، والباقيات قراءات شاذة، ما هي من السبع.
طيب الطاغوت قلنا: إنه ما تجاوز به الإنسان حده من معبود أو متبوع أو مطاع. حتى طاعة الأمراء أو العلماء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله تعتبر من عبادتهم.
(وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف: ٢١]) هذه الآية في سياق أصحاب الكهف، أصحاب الكهف قصتهم عجيبة؛ كما قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف: ٩]، وهم فتية آمنوا بالله، وكانوا في بلاد شرك، فخرجوا من هذه البلاد إلى الله عز وجل، فيسَّر الله لهم غارًا دخلوا فيه، وناموا نومةً طويلةً بلغت ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: ٢٥]، ثلاث مئة وتسع سنوات وهم نائمون، لا يحتاجون إلى أكل ولا شرب ولا شيء أبدًا، لا يحتاجون شيئًا أبدًا. ومن حكمة الله أن الله تعالى يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ لئلا يبقى الدم راسبًا في أحد الجانبين؛ حتى يكونوا دائمًا يتقلب فيهم الدم.
لما خرجوا بعثوا بأحدهم إلى المدينة ليشتري لهم طعامًا، فلما قدَّموا النقود، وإذا النقود قد تغيرت واختلفت، آخر الأمر أن أهل المدينة اطلعوا عليهم، فقالوا: لا بد أن نبني على هؤلاء -أي: على قبورهم- مسجدًا.
وقوله: الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْمَن المراد بهم؟ الحكام في ذلك الوقت، قالوا: سنتخذ على هؤلاء مسجدًا، وبناءُ المساجد على القبور كما عرفتم من أسباب الشرك ووسائله.
هذه الآيات نرجع الآن إليها لنأخذ فوائدها:
أوَّلًا من فوائد الآية الأولى: أن من العجب أن يعطي الله الإنسان نصيبًا من العلم، ثم يؤمن بالجبت والطاغوت؛ لأنا قلنا: إن أَلَمْ تَرَللتقرير والتعجب في الواقع. وهذا لا شك أنه من العجب؛ أن يُؤتَى الإنسان علمًا ثم يؤمن بالجبت والطاغوت.
ومن فوائد الآية: أن العلم -والعياذ بالله- قد لا يعصم صاحبه من المعصية. منين نأخذه؟ من أن هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب آمنوا بالكفر، والذي يؤمن بالكفر يؤمن بالمعاصي لأنها دونه.
ومن فوائد الآية: وجوب إنكار الجبت والطاغوت، وهو واضح؛ لأن الله تعالى ساقه مساق العجب والذم، فلا يجوز الإقرار بالجبت والطاغوت، بل يجب إنكاره.
ومن فوائد هذه الآية: ما ساقها المؤلف من أجله: أن من هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ، فإذا وُجد في بني إسرائيل من يؤمن بالجبت والطاغوت فإنه سيوجد في هذه الأمة أيضًا من يؤمن بالجبت والطاغوت.
أما الآية الثانية ففيها من الفوائد:
أولًا: تقرير الخصم بما لا يستطيع إنكاره، بمعنى أنك تحتج على خصمك بأمر لا يستطيع أن ينكره؛ فإن اليهود يعرفون أن فيهم قومًا غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير، يقرون بذلك، فإذا كانوا يقرون بذلك وهم يستهزئون بالمسلمين؛ نقول: أيُّنا محل الاستهزاء: الذين حلت عليهم هذه العقوبات أم الذين سلِموا منها؟
الجواب: الذين حلت بهم أحق بالاستهزاء والعياذ بالله.
فإذن يستفاد منها تقرير الخصم بما لا يمكنه دفعه.
ومن فوائد هذه الآية أيضًا: اختلاف الناس في المنزلة عند الله؛ لقوله: بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، ولا شك أن الناس يختلفون في زيادة الإيمان ونقصانه وما يترتب عليه من الجزاء.
ومن فوائد الآية: سوء حال اليهود الذين حلت بهم هذه العقوبات؛ اللعن والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت، كل هذا والعياذ بالله من العقوبات التي هي من أسوأ ما يكون من العواقب.
ومن فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية، أنه يفعل سبحانه وتعالى ما يشاء؛ لقوله: لَعَنَهُ اللَّهُ؛ فإن اللعن من صفات الأفعال.
ومنها: إثبات الغضب؛ لقوله: وَغَضِبَ عَلَيْهِ.
ومنها: إثبات القدرة؛ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ.
وهل المراد بالقردة والخنازير هذه الموجودة؟
الجواب: لا؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كل أمة مُسخت لا يبقى لها نسل، وعلى هذا فليس هذا الموجود من القردة والخنازير ليس هو بقية أولئك الممسوخين.
ومن فوائد الآية: أن العقوبات من جنس العمل، من أين تؤخذ؟
لأن هؤلاء الذين قُلبوا قردة، والقرد أقرب ما يكون شبهًا بالإنسان، قلبوا إلى ذلك لأنهم فعلوا فعلًا ظاهره الإباحة والحِل، وهو محرَّم، ما هذا الفعل؟ أنهم اعتدوا في السبت، فإنه حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت، فابتلاهم الله عز وجل، وصار إذا جاء يوم السبت امتلأ البحر حيتانًا، وظهرت الحيتان على سطح الماء، وفي غيره من الأيام تختفي هذه الحيتان ولا يأتي شيء، فطال عليهم الأمد وقالوا: كيف نترك هذه الحيتان، ولكن ما يمكن نعمل أو نصطاد في يوم جمعة فماذا نصنع؟ قالوا: اصنعوا شبكًا؛ ضعوا شبكًا في الماء في يوم الجمعة، ودعوها حتى تأتي الحيتان وتدخل في الشبك، وإذا كان يوم الأحد تأتونها وتصطادونها، وتكونون بذلك لم تصيدوا يوم السبت، هذه حيلة ويش ظاهرها؟ الحِل، لكن معناها الوقوع في الإثم تمامًا، ولهذا قُلبوا إلى حيوان يشبه الإنسان وليس بإنسان، كانوا قردةً والعياذ بالله: قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وهو يفيد أن الجزاء من جنس العمل، ويدل عليه صراحة قوله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠].
ومن فوائد الآية: أن هؤلاء اليهود صاروا يعبدون الطاغوت؛ لقوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، ولا شك أنهم إلى الآن يعبدون الطاغوت؛ لأنهم عبدوا الشيطان وأطاعوه وعصوا الله ورسله.
في الآية أيضًا نكتة نحوية ما ذكرناها وهي: عليه ومنهم، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَالضمير في لَعَنَهُالهاء، وَغَضِبَ عَلَيْهِمفرد، ومِنْهُمُجمع، مع أن المرجع واحد، وهو: مَن. ويش الجواب؟
أنه رُوعِيَ في الإفراد اللفظ، ورُوعي في الجمع المعنى، وذلك أن (مَن) الاسم موصول صالحة للمفرد وغير المفرد، قال ابن مالك:
ومَن وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ .........................

لما ذكر الأسماء الموصولة للمفرد والمثنى والجمع من مذكر ومؤنث، قال:
ومَن وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ..........................

إذن مِنْهُمُعاد على مَنْباعتبار المعنى ولَعَنَهُوَغَضِبَ عَلَيْهِعاد إليها بعتبار اللفظ.
ثم إنه قال: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُولم يقل: وجعلهم قردة، السبب: لأن اللعن والغضب عام، والعقوبة بقلبهم إلى قردة وخنازير خاص، ليس شاملًا لكل بني إسرائيل.
يستفاد من الآية الثالثة: ما في ضِمن سياق هذه الآية من القصة العجيبة في أصحاب الكهف، وما تضمنته من الآيات الدالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته.
ومنها: أن من أسباب بناء المساجد على القبور الغلو في أصحاب القبور؛ لأن الذين غلبوا على أمرهم قالوا: نبني عليهم مساجد؛ لأنهم صاروا عندهم محل الاحترام والإكرام، فغلوا فيهم، فأسباب بناء المساجد على القبور هي الغلو فيها.
نستفيد منها أن الغلو في القبور وإنْ قلَّ قد يؤدي إلى ما هو أكبر منه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث عليا قال: «لَا تَدَعْ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» . (...) أننا نضع لهذا القبر نصايب (...) كبيرة، ثم يأتي من بعدنا ويضعون أكبر، ثم تتطور المسألة إلى وضع البناء.

***

(باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يَعبد الأوثان).
قوله: (أن بعض هذه الأمة) يعني لا كل هذه الأمة، فإن كل هذه الأمة لا يمكن أن تعبد الأوثان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ» .
وقوله: (تعبد) وفي نسخة: (يعبد) فأما (يعبد) فهو باعتبار المضاف إليه، أو المضاف؟ المضاف، مذكر، وأما (تعبد) فهو باعتبار المضاف إليه، قال ابن مالك في الألفية:
وَرُبَّمَـــــا أَكْـــسَــــبَ ثَـــانٍ أَوَّلَا تَأْنِيثًا إِنْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوهَلَا

ومثلوا لذلك بقولهم: قُطِعَت بعضُ أصابعه؛ فالتأنيث هنا من أجل الأصابع، لا من أجل (بعض).
وقوله: (تعبد الأوثان) الأوثان جمع وثن، وهو كل ما عُبِدَ من دون الله من شجر أو حجر أو صنم أو غير ذلك، فإنه وثن.
وقوله: (تعبد الأوثان) أي تتذلل لها بالعبادة، سواء كانت العبادة من باب الدعاء، أو من باب العمل والتقرب؛ كالركوع والسجود، هذا من باب التقرب بالعمل، والدعاء من باب التعبد بالدعاء، والدعاء عبادة؛ كما قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، فمن أتى إلى القبر وقال: يا فلان، يا ولي الله، أو يا نبي الله، وما أشبه ذلك، أغثني، أنقذني، فهذا شرك وعبادة، وكذلك مَن وقف خلف القبر فركع له أو سجد، فإن ذلك أيضًا عبادة.
قال: (وقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: ٥١]) أَلَمْ تَرَهذا الاستفهام للتقرير والتعجب، فإن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ينبغي أن يكونوا أبعد الناس عن الإيمان بالجبت والطاغوت.
وقوله: أُوتُوا نَصِيبًاالنصيب: الحظ، ومعنى (أوتوا) أي: أُعطوا.
وقوله: مِنَ الْكِتَابِأي من الكتاب المنزَّل، ولم يعطوا جميع الكتاب وإنما أوتوا نصيبًا منه؛ لأنهم حُرموا بعضه بسبب معصيتهم.
وقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِالجبت والطاغوت، الجبت قيل: إنه السحر، والطاغوت قيل: إنه الشيطان، ويحتمل أن يُراد بالجبت كل ما لا خير فيه، وبالطاغوت كل ما تجاوز الإنسان به حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فلا يختص بالشيطان، والمعنى أن هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ما آمنوا بالله، آمنوا بما لا يفيدهم، وبما تجاوزوا به حدهم من الأوثان وغيرها.
وهذا الاستفهام المراد به التقرير مع التعجب والإنكار، يعني أنه ينكر على هؤلاء الذين أعطاهم الله تعالى نصيبًا من الكتاب ثم بعد ذلك يؤمنون بالجبت والطاغوت.
آخر الآية: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، وهؤلاء اليهود؛ فإن المشركين أرسلوا إليهم يسألونهم، يقولون: أيُّنا أهدى: نحن أم محمد؟ فقالوا: أنتم أهدى من محمد، وهم -أي: اليهود- صادقون أو كاذبون؟
كاذبون غاية الكذب، وهم يعلمون ذلك أيضًا، أي: يعلمون أنهم كاذبون، وأن الهدى مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦]. ما وجه المناسبة في هذه الآية للباب؟ وجه المناسبة ما تأتي إلا بعد ذكر الحديث، وهو: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، فإذا كان الذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، وأن من هذه الأمة من يرتكب سنن من كان قبله، ويش يلزم من هذا؟ أن يكون في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت، فتكون الآية مطابقة للترجمة تمامًا.
قال: (وقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [المائدة: ٦٠]).
الاستفهام هنا للتشويق أو للتقرير، يعني: هل أخبركم بشر من ذلك مثوبة عند الله. مِنْ ذَلِكَالمشار إليه من؟ المشار إليه ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؛ فإن اليهود يزعمون أنهم هم الذين على الحق وأن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليسوا على الحق، فقال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً.
وقوله: مَثُوبَةًإعرابها تمييز لـ(شر)؛ لأن (شر) اسم تفضيل، وما جاء مميزًا لاسم التفضيل فإنه يُنصَب على التمييز، هل أشار إلى ذلك ابن مالك؟
طالب:
وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تعَجُّبَا مَـــيِّزْ كَأَكْـــرِمْ بِأَبِي بَـــكْرٍ أَبَا

الشيخ: هذا ما اقتضى تعجّبًا.
طالب: (...).
الشيخ:
وَبَعْدَ ذِي وَشِبْهِهَا اجْرُرْهُ إِذَا أَضَفْتَهَا.....................

الطالب: (...).
الشيخ: إي، هو أشار إليها لكن أنا نسيتها في الحقيقة، أشار إلى ذلك؛ بأن ما جاء بعد أفعل التفضيل فإنه يكون منصوبًا على التمييز.
وقوله: مَثُوبَةًالمثوبة معناه المآل والعاقبة.
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُهؤلاء هم شر مثوبة مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَوالعياذ بالله، وهؤلاء من؟ اليهود، هذا الوصف ينطبق على اليهود.
إذن اليهود شر مثوبةً عند الله من المؤمنين.
والشاهد من هذا قوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَفإذا كان في اليهود من عبد الطاغوت، وهذه الأمة ستركب سَنَنَ مَن كان قبلها؛ لزِم من ذلك أن يوجد في هذه الأمة مَن يعبد الطاغوت.
قال: (وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف: ٢١]) الجملة هنا لَنَتَّخِذَنَّمؤكدة بالقسم واللام ونون التوكيد. وغَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْأي: الذين لهم السلطة عليهم، وهم الأمراء والرؤساء.
والآية في قصة من؟ أصحاب الكهف، قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًاأي: على قبورهم. وهذه الأمة سوف تتخذ على القبور مساجد كما اتخذ من كان قبلها، بدليل الحديث الآتي؛ حديث أبي سعيد.
(وعن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ).
«لَتَتَّبِعُنَّ» اللام موطئة للقسم، والنون للتوكيد، فالكلام إذن مؤكد بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر: واللهِ لتتبعن، والثاني: اللام، والثالث: النون.
وقوله: «سَنَنَ» فيها روايتان: سَنَن وسُنَن، أما سنن فإنها بضم السين جمع سُنة، وهي الطريقة. وأما سَنَن بالفتح فهي مفرد وليست جمعًا، وهي بمعنى الطريق. وفَعَل تأتي مفردة كثيرًا؛ مثل: فَنَن جمعها أفنان، وسبب جمعها أسباب. فسَنَن هنا بمعنى طريق، مفرد.
وقوله: «مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» منين؟ من الأمم، نتبع سَنَنَ مَن كان قبلنا.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ» الخطاب للمفرد ولَّا الجماعة؟ للجمع، ما قال: لتتبعَن، لو قال: لتتبعَن صار لمفرد، إنما قال: «لَتَتَّبِعُنَّ» ضم ما قبل النون فهو لجماعة، وهذا هو الفرق بين نون التوكيد التي اتصلت بضمير الجمع أو بالمفرد.
وقوله «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ» ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص؛ لأننا لو أخذنا بظاهره لكانت هذه الأمة كلها تتبع سنن من كان قبلها، ولكننا نقول: إنه عام مخصوص؛ لأن في هذه الأمة مَن لا يتبع.
وقد يقال: إن الحديث على عمومه، وإنه لا يلزم أن نتبع الأمم السابقة في جميع سننها وطرُقها، بل من هذه الأمة من يتبعها في شيء، وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذٍ لا يقتضي أن تكون الأمة تخرج من الإسلام، وهذا أولى من أن نقول: إنه عام مخصوص، وأن نبقي على عمومه ونقول: هذه الأمة كلها بمجموعها تتبع سنن من كان قبلها، لكن منهم من يأخذ بكذا ومنهم من يأخذ بكذا ومنهم من يأخذ بكذا.
ومن المعلوم أن من طرق من كان قبلنا ما لا يخرج من الملة، فإن بعض الطرق لا يخرج من الملة، مثل: أكل السحت، أكل الربا، الحسد، البغي، الكذب، كله من سنن من كان قبلنا، ومع ذلك منه ما لا يخرِج من الملة. عبادة الأوثان من سنن من كان قبلنا وهو مخرج من الملة.
وقوله: «سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» على لفظ الجمع، السُّنن هي الطرائق، وهي متنوِّعة؛ منها ما هو اعتداء في حق الخالق، ومنها ما هو اعتداء في حق المخلوق، كلها يجمعها هذا: اعتداء في حق الخالق، أو في حق المخلوق.
لنستعرض معكم شيئًا من هذه السنن: عبادة القبور والصالحين موجودة في الأمم السابقين؟ موجودة وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا [نوح: ٢٣] إلى آخره، وُجدت في هذه الأمة؟ نعم وجدت في هذه الأمة.
الغلو في الصالحين: موجود في السابقين ووُجد في هذه الأمة.
دعاء غير الله: موجود في السابقين ووجد في هذه الأمة.
بناء المساجد على القبور: موجود في السابقين ووجد في هذه الأمة.
وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب: موجود في السابقين ووجد في هذه الأمة
اليهود قالوا: يد الله مغلولة والعياذ بالله، وقالوا: إن الله فقير، وقالوا: إن الله تعب من خلق السماوات والأرض، ووُجد في هذه الأمة من قال بذلك أو أشد منه؛ وُجد في هذه الأمة مَن وصفوه بالنقائص، وُجد في هذه الأمة من قالوا: ليس له يد، ووُجد في هذه الأمة مَن قالوا: إنه لا يستطيع أن يفعل ما يريد، فلم يستوِ على العرش، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يتكلم، وُجد مَن ينتسب إلى الملة الإسلامية ويقول بذلك.
بل وُجد في هذه الأمة من يقول: إنه لا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم، ولا بائن عن العالم.
أين يكون؟ لا شيء، يكون عدمًا.
وُجد في هذه الأمة من ينتسب إلى الإسلام.
قال شيخ الإسلام: وهذا قول الأشاعرة.
شوف الآن الأشعرية -التي بدأت الآن مع الأسف تنتشر في أوساطنا- هذا مذهبهم؛ أن الله سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا بائن عن العالم، ولا تجوز الإشارة الحسية إليه، ولا يفعل، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يحب... إلى آخره، تعالى الله عن قولهم.
الحاصل أنه مثلما وُصف الله سبحانه وتعالى بالعيوب عند الأمم السابقين وُصف أيضًا فيمن ينتسب إلى هذه الأمة.
طيب نأتي إلى أكل السُّحت: وُجد في الأمم السابقين مَن يأكل السحت، أو لا؟ ووُجد في هذه الأمة من يأكل السحت، ما أكثر من يأكل الرشوة من هذه الأمة، أليس كذلك؟
وُجد في الأمم السابقين من يأكل الربا، ووُجد في هذه الأمة من يأكله.
وُجد في الأمم السابقين مَن يتحيل على محارم الله، ووُجد في هذه الأمة من يتحيل على محارم الله.
وُجد في السابقين مَن يقيم الحدود على الضعفاء، ويرفعها عن الشرفاء. وُجد في هذه الأمة ولَّا لا؟ وجد في هذه الأمة.
كذلك أيضًا وجد في السابقين مَن حرفوا كلام الله عن مواضعه لفظًا ومعنى، ووُجد في هذه الأمة من حرفوا أيضًا:
قيل لليهود: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: ٥٨] ماذا صنعوا؟ دخلوا على (...) وقالوا: حنطة، ما قالوا: حطة، ما قالوا: احطط عنا ذنوبنا، قالوا: لا، أعطنا نأكل، والعياذ بالله، قالوا: حنطة. وُجد في هذه الأمة من فعل كذلك؛ قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] وقالوا هم: الرحمن على العرش استولَى.
قال ابن القيم: إن اللام في (...).
أحكامه أيضًا، فيقول: إن الله أحل كذا وحرم كذا، والله تعالى لم يحله ولم يحرمه.
وُجد في الأمم السابقين من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ووُجد في هذه الأمة؟ من اللي وُجد في هذه الأمة؟
طالب: اتخذوا علماءهم.
الشيخ: إي نعم وُجد، تقول لبعض الناس: قال النبي عليه الصلاة والسلام كذا ويقول: لكن قال العالم الفلاني كذا وكذا، فإذا تأملت كلام النبي عليه الصلاة والسلام وجدته مطابقًا للواقع: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
ولكن يبقى النظر: هل هذا الحديث للتحذير أو هذا الحديث للإقرار؟
لا شك أنه للتحذير، والنبي عليه الصلاة والسلام ما أخبرنا من أجل أن نقول: إحنا نبغي نحسد، إحنا نبغي نأكل الربا، نحن نبغي نعتدي على الخلق؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال هكذا، بنصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
لو قال هكذا إنسان ماذا نقول له؟ ويش نقول له يا جماعة؟ نقول: هذا لا شك أنه للتحذير، ولهذا قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟».
ثم نقول لهم: إن الرسول أيضًا أخبر بأشياء ستقع، ومع ذلك أخبر .. هي حرام بنص القرآن؛ أخبر بأن الإنسان يُقصِي أباه ويدني صديقه، وهذا جائز في القرآن ولَّا لا؟ لا، وبأن الإنسان يُكرِم زوجته ويعق أمه، وهذا ليس بجائزٍ بنص القرآن - عقوق الأمهات، وتقطيع الأرحام- لكن هذا القصد منه أيش؟ التحذير من هذا العمل.
والحاصل أنك لا تكاد تجد معصية في هذه الأمة إلا وَجدتَ لها أصلًا في الأمم السابقة.
وُجد في الأمم السابقة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون، ووُجد في هذه الأمة من يقول: إن هؤلاء لرجعيون. أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: موجود، فالمسألة المعاصي لها أصل في الأمم على حسب ما سبق، ولكن مَن وفَّقه الله للهداية اهتدى.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» مناسبة الحديث للباب واضحة؛ أنه لمَّا عبدت الأمم الأصنام والأوثان، فسيكون في هذه الأمة من يعبد الأصنام والأوثان.
وقوله: «حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» حذو بمعنى: محاذية، وهي منصوبة على الحال من فاعل (تتبعن)؛ يعني: حال كونكم محاذين لهم حذو القذة بالقذة. ما هي القذة؟ القذة: هي ريشة السهم، السهام له ريش لا بد أن تكون متساوية تمامًا، إذا لم تكن متساوية صار الرمي به مختلًّا، فلا بد أن تكون ريشه متساوية، وأنا ما عندي معرفة تامة للسهام لأنها ما هي موجودة حتى نعرف ما هي الريشة التي تُوضَع، لكن هم يقولون: لا بد أن تكون متساوية؛ الريشتان، وإلا اختل الرمي به.
قال النبي عليه الصلاة والسلام مؤكدا هذه المتابعة: «حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» الله أكبر! نسأل الله الحماية. لو دخلوا جحر ضب، وجحر الضب من أصغر الجحور، فإنكم تدخلونه. لو دخلوا جحر أسد؟ من باب أولى أن ندخله؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك على سبيل المبالغة؛ مثل قوله: مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا؛ طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ومن اقتطع دون ذلك كذلك، ومن اقتطع ذراعًا من باب أولى.
(قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟) يجوز فيها وجهان:
(اليهودَ والنصارى) على أنه مفعول لفعل محذوف، التقدير: أتعني اليهود والنصارى؟ ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أهم اليهود والنصارى؟
وعلى كل تقدير؛ فالجملة هنا إنشائية ولَّا خبرية؟
طالب: إنشائية.
الشيخ: ويش السبب؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما تقول إنشائية ولا خبرية؟
طالب: لا، إنشائية.
الشيخ: لماذا؟
طالب: يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم: أهم اليهود والنصارى؟
الشيخ: يعني معناه أنها استفهامية، والاستفهام تقدم لنا في باب البلاغة أنه من باب الإنشاء، فهي على تقدير همزة الاستفهام، يعني: أهم اليهود والنصارى، أو: أتعني اليهود والنصارى. واليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى.
وسموا يهودًا لماذا؟
طالب: نسبة إلى يهوذا، من أحفاد إسحاق.
الشيخ: نعم طيب أو؟
الطالب: أو من هاد بمعنى رجع.
الشيخ: لأنهم هادوا إلى الله ورجعوا إليه بالتوبة من عبادة العجل.
أما النصارى فهي قيل: إنها نسبة إلى بلد تسمى الناصرة، وقيل: إنها من النُّصرة؛ كما قال: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢].
قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ؟») (من) هنا ويش إعرابها؟ اسم استفهام، والمراد به التقرير؛ أي: فمن أعني غير هؤلاء، أو: فمن هم غير هؤلاء؟
إذن الصحابة رضي الله عنهم لما حدثهم بهذا الحديث كأنهم حصل في نفوسهم بعض الغرابة، وقالوا: هل هؤلاء الناس الذين.. فلما سألوا قرر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم اليهود والنصارى.
يُستفاد من هذا الحديث: ما أراده المؤلف بسياقه، وهو أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان؛ لأن ذلك من سُنن مَن قبلنا، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أننا سنتبعهم.
ويُستفاد أيضًا من فحوى الكلام: التحذير من متابعة مَن كان قبلنا في معصية الله.
ويستفاد من ذلك أيضًا: أنه ينبغي أن نعرف ما كان عليه من قبلنا لأجل أن نحذره؛ لأننا ماذا يدرينا إذا عملنا بعمل ونحن لا ندري هل هم عليه ولَّا لا، إلا بأن نعلم. وغالب ما خالف فيه الحق مَن سبقنا غالبه والحمد لله موجود في القرآن وفي السنة، ما يحتاج إلى أن نلجأ إلى فلان وفلان في التاريخ، بل هو موجود في القرآن وفي السنة.
ومنها أيضًا: استعظام هذا الأمر لدى الصحابة؛ لقولهم: اليهود والنصارى؟ فإن هذا الاستفهام للاستعظام؛ استعظام الأمر؛ أن نتبع سنن من كان قبلنا بعد أن جاءنا الهدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أنه كلما طال العهد بين الإنسان وبين الرسالة فإنه يكون أبعد من الحق؛ منين نأخذه؟
طالب: (...).
الشيخ: منين نأخذه، نبغي شيئًا بينًا، كلما طال أمد الرسالة بين الإنسان وبين الزمن -زمن الرسالة- كان أقرب إلى المعاصي والفسوق.
طالب: (...) اليهود (...) النصارى.
الشيخ: لا.
طالب: قوله: «لَتَتَّبِعُنَّ» فإنه أخبر عن المستقبل ولم يخبر عن الحاضر.
الشيخ: وغير.
طالب: ذكر اليهود والنصارى لأن قبل البعثة (...) اليهود والنصارى (...).
الشيخ: من خصال من قبلنا أنه لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد: ١٦].
فإذن إذا كان طول الأمد فيمن قبلنا سببًا لقسوة القلوب فإنه سيكون كذلك سببا لنا، ويشهد لهذا المعنى ما صح في البخاري من حديث أنس رضي الله عنه؛ أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلَّا وَمَا بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» .
ومن تتبع أحوال هذه الأمة وجد أن الأمر كذلك، ولكن يجب أن نعرف يا إخواننا الفرق في الحكم بين الجملة والأفراد؛ فإنه لا يعني أن الزمن المتأخر لا يكون فيه أحد أبدًا خير من أهل الزمن الذي قبله، ولكن الكلام على الجملة.
وهذه مسألة ينبغي أن نتنبه لها، وأن حديث أنس رضي الله عنه حديث صحيح سندًا ومتنًا؛ فالمتن ليس فيه شذوذ، والسند في البخاري، ولكنه لا نقيس الحكم بالأفراد، ولذلك يوجد في أتباع التابعين من هو خير من كثير من التابعين؛ فلا تيئسوا، لا تقولوا: إذن ما يمكن أن يوجد في زماننا هذا مَن يكون مثل مَن سبقه؛ لأننا نقول: إن مثل هذا الحديث يُعنَى به أي شيء؟ الجملة.
وإذا شئتم أيضًا أن يتضح الأمر فانظروا إلى جنس الرجال وجنس النساء؛ أيهما خير؟
جنس الرجال؛ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: ٢٢٨]، لكن هل معنى ذلك أنه لا يوجد في النساء امرأة تكون خيرًا من بعض الرجال؟ لا، بل يوجد في بعض النساء من هو خير من كثير من الرجال؛ فيجب علينا أن نعرف الفرق بين الجملة والأفراد.
طالب: شيخ، أهل البدع قديمون (...) من بعدهم (...).
الشيخ: إي، لكن إذا أخذنا باعتبار مجموع القرن كله؛ وجدنا أن ما بعدهم شر منهم، ترى باعتبار القرن كله لا باعتبار الأفراد، ولا باعتبار مكان دون مكان أيضًا؛ قد يكون مثلًا في بعض الجهات يرتفع الناس من حسن إلى أحسن، كما لو نشأ فيهم علماء ونفع الله بهم؛ فإنهم يكونون أحسن ممن سبقهم، لكن الكلام على الجملة؛ جملة القرن.
طالب: الصحابة يا شيخ، جملة الصحابة؟
الشيخ: الصحابة ما أحد يساويهم في مسألة الصحبة، ولهذا إحنا مثلنا في أتباع التابعين وفي التابعين.
طالب: (...) أفراد الصحابة.
الشيخ: لا، أفراد الصحابة حتى أفراد الصحابة ما يمكن أحد يساويهم في الصحبة أبدًا، مهما بلغ من الفضل من التابعين فإنه لن يدرك الصحبة.
قال: (ولمسلم عن ثَوْبَانَ رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا) .
«زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ» زوى بمعنى جمع وضمَّ؛ جمع له الأرض وضمها.
«فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا» رأيته بعيني ولا بعلمي؟ رؤية عِلمية ولا عَينية؟ رؤية عينية، رأيت مشارق الأرض ومغاربها، وليس ذلك على الله بعزيز؛ فإن الله تعالى على كل شيء قدير أن يزوي الأرض ويجمعها حتى يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ما سيبلُغ مُلك أُمته منها.
وهل المراد هنا بالزوي أن الأرض زُويت وجُمعت، أو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قَوِي نظرُه حتى رأى البعيد؟ أيهما أقرب إلى ظاهر اللفظ؟ الأقرب الأول؛ أن الأرض هي التي حصل فيها التغير وليس بصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: إن المراد بصر النبي عليه الصلاة والسلام؛ أن الله تعالى أعطاه قوة حتى أبصر مشارق الأرض ومغاربها.
ولكن الأول هو ظاهر اللفظ، ونحن إذا أردنا أن نقرب هذا الأمر نجد أن صورة الكرة الأرضية الآن، صورة الكرة الأرضية مجموعة، مجموعة الصورة، يشاهد الإنسان مشارق الأرض ومغاربها؛ فالله تعالى على كل شيء قدير؛ أن يجمع الله له الأرض حتى تكون صغيرة يدركها في مشارقها ومغاربها.
فإذا قال قائل: هذا في الحقيقة إن حُمل على الواقع فليس بموافق للواقع؛ لأنه لو حُصرت الأرض بحيث تكون مدركةً لبصر النبي صلى الله عليه وسلم المجرد، أين يذهب الناس؟ الأرض فيها بحار، فيها جبال عظيمة، وفيها صحارٍ واسعة، وفيها آدميون، وفيها غير آدميين، ولَّا لا؟ كيف تُصغَّر؟
نقول: نحن في هذه الأمور الغيبية لا يجوز لنا أن نورد كيف ولِمَ، نقول: إن الله زواها وهو على كل شيء قدير؛ زواها حتى رآها النبي صلى الله عليه وسلم. والأمور الغيبية التي لا ندركها لا يجوز أن نُورِد عليها كيف؛ لأن قوة الله عز وجل أعظم من قوتنا وأعظم من أن نحيط بها.
ولهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، هل يجوز أن نقول: كيف يجري مجرى الدم؟ ويش لون؟ أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كيف يجري مجرى الدم؟ نقول: الله أعلم.
هذه المسائل التي ما يمكن أن ندركها يجب علينا التسليم المحض لها.
ولهذا نقول: نحن في باب الأسماء والصفات كالظاهرية في باب الأحكام، يعني ما نأخذ إلا بالظاهر. وهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة؛ أنهم يأخذون بظاهرها، لكنهم يأخذون بهذا الظاهر منزَّهًا عن التكييف والتمثيل، ولا يفهمونها على أنها تمثيل لصفات الله تعالى بصفات خلقه.
يقول: «زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا» يعني: أماكن الشرق منها وأماكن الغرب.
«وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا»، (إن أمتي) أي الأمم؟ يعني ما المراد بالأمة هنا: الإجابة ولا الدعوة؟
طالب: الإجابة.
الشيخ: أمة الإجابة التي أجابت للرسول عليه الصلاة والسلام وصدقته وآمنت به، سيبلغ ملكها ما زُوي للرسول صلى الله عليه وسلم منها. وهذا هو الواقع؛ فإن ملك هذه الأمة اتسع من المشرق ومن المغرب اتساعًا بالغًا جدًّا، لكنه من الشمال والجنوب كان أقل بكثير، فالأمة الإسلامية وصلت إلى الشرق؛ إلى السند والهند وما وراء ذلك، ومن المغرب وصلت إلى ما وراء المحيط، وهذا يحقق رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: «وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ» أُعطيت الكنزين؛ من الذي أعطاه؟ الله.
وقوله: «الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ» هما الذهب والفضة؛ كنوز قيصر وكسرى، فالذهب عند قيصر، والفضة عند كسرى، وكل منهما عنده ذهب وفضة، لكن الأغلب على كنوز قيصر الذهب، والأغلب على كنوز كسرى الفضة.
وقوله: «أُعْطِيتُ» هل هو أُعطِيها صلى الله عليه وسلم في حياته ولَّا بعد مماته؟
بعد مماته، أُعطيت ذلك أمتُه، لكن ما أُعطيَ أمته فهو كما أُعطِيَ؛ لأن امتداد ملك الأمة لا لأنها أمة عربية كما يقول هؤلاء الجهال، لكن لأنها أمة إسلامية أخذت بما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام.
(...) «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» فكما أن في الأمم السابقين من يعبد الأصنام فإن في هذه الأمة من يعبد الأصنام، وسبق لنا أنه ما من عمل سيئ عمِلته الأمم السابقة إلا وكان في هذه الأمة شيء منه، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم؛ لهذا الحديث.
فإذا قيل: ما هي الحكمة من أنه تُبتلَى هذه الأمة في هذا الأمر، وأن يكون فيها من كل مساوئ مَن سبقها؟
قلنا: الحكمة ليتبين بذلك كمال الدين؛ فإن الدين يعارض كل هذه الأخلاق، فإذا كان يعارضها دلَّ هذا على أن كل نقص في الأمم السابقة فإن هذه الشريعة جاءت بتكميله. كيف ذلك؟ لأن الأشياء ما تتبين إلا بضدها؛ كما قيل: (وبضدها تتبين الأشياء).
وهذه النكتة يجب أن يحافظ عليها المرء، وجوابها ما ذكرناه.
السؤال الآن: ما هي الحكمة في أن هذه الأمة تُبتلى بمساوئ من قبلها؟ فيكون فيها، ما هو في جميع الأمة؛ في مجموع الأمة، مَن يعمل هذه المساوئ.
طالب: (...) الشريعة (...).
الشيخ: وأنها تُحارِب.
الطالب: وأنها تحارِب هذه الأشياء.
الشيخ: كل الأخلاق المنكرة والأعمال السيئة من جميع الأمم؛ لأن بضدها تتبين الأشياء؛ فإن الشريعة جاءت في مقابل ذلك بالكمال والتمام.
وسبق لنا أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام سؤالَ تعجبٍ: هل هم اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟».
وسبق لنا في حديث ثوبان أن الله سبحانه وتعالى زَوَى للنبي عليه الصلاة والسلام الأرض فرأى مشارقها ومغاربها وقلنا: إن في هذا الزوي، أو في هذا الزي، نقول: الزي ولَّا الزوي؟
طلبة: الزوي.
الشيخ: طيب ما تقولون في طوى؟
طلبة: طي.
الشيخ: في زوى؟
طالب: زي.
الشيخ: زي. هذا القياس، القياس أن يُقال: زي.
وشوى شيًّا ولا شويًا؟
شويًا هذه لغة العامة، يقال: شيًّا.
إذن نقول: في هذا الزي آية من آيات الله وآية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم
وسبق هل هذا الزي حقيقي، بمعنى أن الأرض جُمعت، أو هذا على سبيل التصوير، أو أن الرسول عليه الصلاة والسلام زِيد في نظره وبصره حتى أبصر جميع مشارق الأرض ومغاربها، فقلنا: الأقرب أن الزي للأرض وليس معناه أن بصر الرسول عليه الصلاة والسلام امتد، ونحن نقول بهذا، ولا نقول: كيف وكيف؛ لأن هذا من أمور الغيب.
وسبق أيضًا أن هذه الأمة سيبلغ ملكها ما زُوي للرسول صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنها ستسيطر على ما زُوي للنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.
وسبق لنا أيضًا أنه أُعطي الكنزين الأحمر والأبيض، الأحمر كنز من؟
طالب: قيصر.
الشيخ: والأبيض؟
الطالب: كسرى.
الشيخ: نعم.
قال: «وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَلَّا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» هذا مما سأله النبي عليه الصلاة والسلام ربه؛ ألا يُهلِكَ الأمة بسنةٍ بعامةٍ، هكذا في الأصل، وفي رواية في بعض النسخ: «أَلَّا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ».
والسنة بمعنى: الجدب والقحط. والجدبُ والقحط يُهلِك ويدمِّر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» . وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف: ١٣٠].
فقوله: «بِسَنَةٍ» أي: بجدب وقحط، و«عَامَّة» أي: عمومًا تعمهم، هذه دعوة.
«وَأَلَّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ» ألا يسلط عليهم عدوًّا، والعدو ضد الولي، وهو المعادي المبغِض الحاقد. وعدوُّ المسلمين هم الكفار، ولهذا قال: «مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ».
«فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ» ويش معنى يستبيح؟ أي: يستحل، والبيضة ما يُجعَل على الرأس وقايةً من السهام. والمراد: يظهر عليهم ويغلبهم.
«وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ» قوله تعالى: «إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ» اعلم أن قضاء الله نوعان:
قضاء شرعي وقضاء كوني، فالقضاء الشرعي قد يُرد، مَن يرده؟ الكفار، ولا يقبلونه.
والقضاء الكوني لا يُرد، ولا بد أن ينفُذ.
وكلا القضاءين قضاء بالحق، وقد جمعهما قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر: ٢٠].
مثال القضاء الشرعي: قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] هذا القضاء -يا جماعة- شرعي؛ لأنه لو كان كونيًّا لكان كل الناس لا يعبدون إلا الله، لكنه قضاء شرعي.
وقوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: ٤] هذا قضاء كوني؛ لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد، لكنه يقضي به كونًا، وإن كان يكرهه سبحانه وتعالى؛ فإن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين، وعلى هذا فقوله تعالى هنا في الحديث القدسي: «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ» المراد الكوني، ما أحد يستطيع أن يرده، مهما كان من الكفر والفسوق والفجور فإنه لا يسطيع أن يرد قضاء الله، ولهذا تجدون قضاء الله نافذًا على أكبر الناس عتوًّا واستكبارًا؛ نفذ على فِرعون وأُغرق بالماء الذي كان يفتخر به. ونفذ على طواغيت بني آدم فأهلكهم الله ودمرهم؛ «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ».
وفي هذا من تمام سلطان الله عز وجل وكمال ربوبيته ما هو ظاهر؛ لأنه ما من ملك سوى الله عز وجل إلا يمكن أن يُرَدَّ ما قضى به، إلا الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لكمال سلطانه وتمام ربوبيته سبحانه وتعالى.
واعلمْ أن قضاء الله كمشيئته، مقرون بالحكمة، فهو لا يَقضي قضاءً إلا والحكمة تقتضيه، كما لا يشاء شيئا إلا والحكمة تقتضيه. وتدبر قول الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠] يتبيَّن لك أنه لا يشاء شيئًا إلا عن علم وحكمة سبحانه وتعالى، ليس لمجرد المشيئة، خلافًا لمن أنكر حكمة الله من الجَهْمِيَّة وغيرهم، وقالوا: إن الله لا حكمة له، وإنما يفعل الأشياء لمجرد مشيئة، فجعلوا -على زَعمهم- جعلوا المخلوقينَ أكمل تصرفًا من الله؛ لأن كل عاقل ويش اللي قبله؟
طالب: أن الله سبحانه وتعالى أكمل.
الشيخ: لا.
طالب: (...) على الجهمية اللي أنكرت حكمة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: اللي أنكروا
طالب: حكمة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: وقلنا: إن قولهم يستلزم؟
طالب: النقص.
الشيخ: يستلزم أن من المخلوقين من هو أكمل تصرفًا من الله عز وجل؛ لأن كل عاقل من المخلوقين ما يتصرف إلا بحكمة، ولهذا الذي يتصرف بسفه ماذا يُصنع به؟ يُحجَر عليه، وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: ٥].
فنحن نقول: إن الله جل وعلا لا يفعل شيئًا ولا يحكم بشيء إلا لحكمة.
ولكن هل يلزم من الحكمة أن نحيط بها علمًا؟ لا؛ لأننا أقصر من أن نحيط علمًا بكل حِكم الله عز وجل، صحيح أن بعض الأشياء نعرف حكمتها، ولكن كثيرًا من الأشياء لا نعرفها، تعجز العقول عن إدراكها.
قال: «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ».
طالب: (...).
الشيخ: كل.
الطالب: كل حكمة لا يمكن أن نحيط بها.
الشيخ: أن نحيط بها
الطالب: ما يمكن نحيط بها.
الشيخ: لا ما نحيط بكل الحكم، لكن نعرفها ومنها ما لا نعرفه إطلاقًا، ما قلت: إننا نحيط بكل الحكم.
الطالب: (...) بكل حكمة.
الشيخ: صحيح
الطالب: يعني إذن نحيط ببعض.
الشيخ: إي، بعضها ندرك أن هذا الحكمة منه، ولكن ليس معنى ذلك أن ما أدركناه من الحكمة فهو كل الحكم، قد يكون هناك حكم أخرى ما ندري عنها أيضًا، لكن إحنا حسب ما يبدو لنا من بعض الأشياء.
وقوله: «إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ» المقصود من هذه الجملة قبل أن يبين الله عز وجل ما قال لنبيه، المقصود من ذلك: هو بيان أن من الأشياء التي سألها الرسول عليه الصلاة والسلام ما لا يُعطاها؛ قد يسأل النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا ولا يُعطى إياه، لماذا؟ لأن الله قضى بعلمه وحكمته كذا، ولا يمكِن أن يُرَد ما قضاه الله عز وجل، فهذا هو الفائدة من تقديم هذه الجملة: «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ».
طالب: هل يؤخذ منه أن الدعاء لا يرد القضاء؟
الشيخ: لا، ما يؤخذ منه، قد يكون الدعاء سببًا للقضاء؛ لأنه قد يتوقف القضاء على دعائك، بل إن كل القضاء أو أكثر القضاء له أسباب؛ دخول الجنة ما يمكن إلا بسبب، يترتب دخول الجنة ويتوقف على العمل الصالح، فلا بد من عمل صالح.
كذلك حصول المطلوب، قد يكون الله عز وجل منعه حتى تسأل، لكن من الأشياء ما لا تقتضي الحكمة وجودَه، فحينئذٍ يُجازَى الداعي بما هو أكملُ، ولَّا يُؤخَّر له ويُدَّخَر عند الله عز وجل، ولَّا يُصرَف عنه من السوء ما هو أعظم، إي نعم.
طالب: (...) يدعو الله (...).
الشيخ: ربما إي، إذا لم يُجَب.. إذا كان الدعاء تامة فيه شروط القبول، ولا شُفِيَ، فإننا نَجزم بأنه ادُّخِر له.
قال: «وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ».
طالب: عامة.
الشيخ: فيها نسختان، في الصحيح، «أَلَّا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ».
هذه واحدة.
وثانيًا: «وَأَلَّا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ» هذه الإجابة قُيدت «حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا». فإذا وقع ذلك منهم فقد يُسلَّط عليهم عدو من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم؛ فكان إجابة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الجملة الأولى بدون استثناء، وفي الجملة الثانية باستثناء: «حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ». وهذا هو الحكمة من تقديم الجملة الأولى، وهي: «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ»، فصارت إجابة الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام في الجملة الثانية مقيَّدة.
هذه من نعمة الله عز وجل؛ أن هذه الأمة لن تهلك بِسَنةٍ بعامةٍ أبدًا؛ كل مَن يَدين بدين الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لن يَهلِك، وإن هلك قوم في جهة بسنة فإنه لا يهلك الآخرون.
أما الجملة الثانية فيقول: إنه لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم إلا إذا صار بعضهم يقتل بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، وهذا وقع كما أجاب الله عز وجل؛ فالأمة الإسلامية حين كانت أمةً واحدة عونًا في الحق ضد الباطل، كانوا أمة مَهيبة، ما أحد يجرؤ على أن يتسلط عليهم، ولما تفرقت وصار بعضهم يُهلِك بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا؛ سُلط عليهم عدو من سوى أنفسهم. وأعظمُ مَن سُلط فيما أعلم التتارُ، فإن التتار سُلطوا على المسلمين تسليطًا لا نظير له، ماذا صنعوا؟ قتلوا الخليفة، ويقال: إنهم قتلوا في بغداد وحدها في يوم واحد أكثر من خمس مئة عالمٍ، وهذا ثَلْم عظيم في الإسلام. والكتب الإسلامية وضعوها في دجلة والعياذ بالله وجعلوها جسرًا يطؤونه بأقدامهم، ويفسدها الماء؛ لأنها تُكتَب بالمِداد الذي يُمحَى، وكانوا يأتون إلى الحوامل والعياذ بالله ويبقرون بطنها ويخرجون أولادها يتحركون أمامها فيقتلونهم، وهي حية تشاهد ثم تموت.
وكان الواحد منهم؛ يقول ابن الأثير في النهاية: يقول إني كنت مضى علي حين وأنا أقدم رجلًا وأؤخر أخرى هل أذكر هذا التاريخ الأسود المظلم. هو ما قال: الأسود المظلم لكن أنا أقول، هذا المُفزِع العظيم أو لا أذكره، ثم بدا لي أن أذكره حفظًا للتاريخ، فذكره، لكن كان يقول: إن المسلمين أُصيبوا بذل عظيم، حتى إن الواحد من التتر يدخل الزقاق -السكة الضيقة الصغيرة- ويقول لأهل البيوت: اخرجوا، ثم يقول: ضعوا حجرًا، ثم يقول لواحد: اجعل رأسك على هذا الحجر ويقول لأخيه: اضربه بالحجر، فيرض رأسه بين حجرين، وذاك الرجل يتفرج -التتري- وهذا أمر عظيم من الله عز وجل؛ تسليط؛ لأنهم كانوا يقتل بعضهم بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا.
وفي هذا دليل على تحريم القتال بين المسلمين، وإهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضًا، وأنه يجب أن يكونوا أمة واحدة حتى تبقى هيبتهم بين الناس وتخشاهم الأمم.
إذن ما هو الشاهد في هذا الحديث للترجمة؟
طالب: «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ».
الشيخ: إي ويش وجه الشاهد؟
الطالب: (...)
طالب آخر: إنكار الله سبحانه وتعالى (...) يعبدون الأصنام.
الشيخ:
(ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا يخاف على الأمة إلا الأئمة المضلين.
الأئمة جمع إمام، والإمام قد يكون إمامًا في الخير وقد يكون إمامًا في الشر، قال الله تعالى عن آل فرعون: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ [القصص: ٤١].
وقال تعالى في أئمة الخير: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤].
وفي هذا الحديث من النوع الأول أو الثاني؟
الأول، «الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» الذين يوقعون الناس في الضلال، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم. إن هذا أعظم ما يخاف على الأمة أن يوجد أئمة مضلون؛ وهذا الذي أضل الناس؛ الأئمة المضلون والعياذ بالله، يكون رجلًا إمامًا فيُتبَع؛ كرؤساء الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن كانوا أئمة لكنهم يضلون الناس والعياذ بالله، فحصل تفرقُ الأمة بسبب هؤلاء الأئمة؛ أئمة الشر والفساد نسأل الله العافية.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» يراد به الأئمة الذين يقودون الناس بالشرع، والأئمة الذين يقودون الناس بالقهر والسلطان؛ فيشمل الحكام الفاسدين. العلماء..